الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
218
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المكذبين وهم المقصود ، وإنما جاء الكلام بصيغة العموم ليكون تذييلا وإتيانا للغرض بما هو كالدّليل ، ولينتقل من ذلك العموم إلى تسلية النبي صلى اللّه عليه وسلم بأن اللّه مطلع على مكر أولئك ، وأنه وكيل على جزائهم وأن اللّه عالم ببذل النبي جهده في التبليغ . [ 13 ] [ سورة هود ( 11 ) : آية 13 ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 13 ) أَمْ هذه منقطعة بمعنى ( بل ) التي للإضراب للانتقال من غرض إلى آخر ، إلّا أن ( أم ) مختصة بالاستفهام فتقدر بعدها همزة الاستفهام . والتقدير : بل أيقولون افتراه . والإضراب انتقالي في قوة الاستئناف الابتدائي ، فللجملة حكم الاستئناف . والمناسبة ظاهرة ، لأن الكلام في إبطال مزاعم المشركين ، فإنهم قالوا : هذا كلام مفترى ، وقرعهم بالحجة . والاستفهام إنكاري . والافتراء : الكذب الذي لا شبهة لصاحبه ، فهو الكذب عن عمد ، كما تقدم في قوله : وَلكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ في سورة العقود [ 103 ] . وجملة قُلْ فَأْتُوا جواب لكلامهم فلذلك فصلت على ما هو مستعمل في المحاورة سواء كانت حكاية المحاورة بصيغة حكاية القول أو كانت أمرا بالقول كما تقدم عند قوله تعالى : قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [ البقرة : 30 ] . والضمير المستتر في ( افتراه ) عائد إلى النبي - عليه الصلاة والسلام - المذكور في قوله : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ [ هود : 12 ] . وضمير الغائب البارز المنصوب عائد إلى القرآن المفهوم من قوله : بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ [ هود : 12 ] . والإتيان بالشيء : جلبه ، سواء كان بالاسترفاد من الغير أم بالاختراع من الجالب وهذا توسعة عليهم في التحدّي . وتحدّاهم هنا بأن يأتوا بعشر سور خلاف ما تحدّاهم في غير هذا المكان بأن يأتوا بسورة مثله ، كما في سورة البقرة وسورة يونس . فقال ابن عبّاس وجمهور المفسرين : كان التحدّي أوّل الأمر بأن يأتوا بعشر سور مثل القرآن . وهو ما وقع في سورة هود ، ثمّ نسخ بأن يأتوا بسورة واحدة كما وقع في سورة البقرة وسورة يونس . فتخطّى أصحاب هذا القول إلى أن قالوا إن سورة هود نزلت قبل سورة يونس ، وهو الذي يعتمد عليه .